مجمع البحوث الاسلامية
100
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فالكوفيّون يجوّزونه ، كقوله تعالى : فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى النّازعات : 41 ، أي مأواه ، والبصريّون يمنعونه ، ويقولون : الضّمير محذوف ، أي المأوى له . وأمّا كونها عوضا عن « المضاف إليه » فقال ابن عادل : لا نعرف فيه خلافا . سادسها : أنّه منصوب على المفعول معه ، أي مع الإيمان . قال وهب : سمعت مالكا يذكر فضل « المدينة » على غيرها من الآفاق ، فقال : إنّ المدينة تبوّأت بالإيمان والهجرة ، وإنّ غيرها من القرى افتتحت بالسّيف ، ثمّ قرأ : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ . ( 4 : 246 ) البروسويّ : وأصل « البواء » مساواة الأجزاء في المكان ، خلاف « النّبو » الّذي هو منافاة الأجزاء ، يقال : مكان بواء ، إذا لم يكن نابيا بنازله ، وبوّأت له مكانا : سوّيت . وروي أنّه عليه السّلام كان يتبوّأ لبوله كما يتبوّأ لمنزله ، وتبوّؤ لمنزل : اتّخاذه منزلا والتّمكّن والاستقرار فيه ، فالمتبوّأ فيه لا بدّ أن يكون من قبيل المنازل والأمكنة . و ( الدّار ) هي المدينة وتسمّى قديما يثرب ، وحديثا طيبة ، وطابة كذلك ، بخلاف ( الايمان ) فإنّه ليس من هذا القبيل ، فمعنى تبوّئهم الدّار والإيمان : أنّهم اتّخذوا المدينة والإيمان مباءة ، وتمكّنوا فيهما أشدّ تمكّن ، على تنزيل الحال منزلة المكان . وقيل : ضمّن التّبوّؤ معنى اللّزوم . وقيل : تبوّأوا الدّار وأخلصوا الإيمان أو قبلوه أو آثروه ، كقول من قال : * علفتها تبنا وماء باردا * أي وسقيتها ماء باردا ، فاختصر الكلام ، وقيل غير ذلك . يقول الفقير : لعلّ أصل الكلام : والّذين تبّوّأوا دار الإيمان ، فإنّ « المدينة » يقال لها : دار الإيمان ، لكونها مظهره ومأوى أصله ، كما يقال لها : دار الهجرة ، وإنّما عدل إلى ما ذكر من صورة العطف تنصيصا على إيمانهم ؛ إذ مجرّد التّبوّؤ لا يكفي في المدح . ( 9 : 432 ) الآلوسيّ : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا . . . الأكثرون على أنّه معطوف على المهاجرين ، والمراد بهم الأنصار . والتّبوّؤ : النّزول في المكان ، ومنه المباءة للمنزل ، ونسبته إلى ( الدّار ) والمراد بها « المدينة » ظاهرا . وأمّا نسبته إلى ( الايمان ) فباعتبار جعله مستقرّا ومتوطّنا على سبيل الاستعارة المكنيّة التّخييليّة ، والتّعريف في ( الدّار ) للتّنويه ، كأنّها الدّار الّتي تستحقّ أن تسمّى دارا ، وهي الّتي أعدّها اللّه تعالى لهم ليكون تبوّؤهم إيّاها مدحا لهم . وقال غير واحد : الكلام من باب : * علفتها تبنا وماء باردا * أي تبوّأوا الدّار وأخلصوا الإيمان . وقيل : التّبوّؤ مجاز مرسل عن اللّزوم ، وهو لازم معناه ، فكأنّه قيل : لزموا الدّار والإيمان . وقيل : في توجيه ذلك أنّ « أل » في ( الدّار ) للعهد ، والمراد : دار الهجرة ، وهي تغني غناء الإضافة . وفي ( والايمان ) حذف مضاف ، أي ودار الإيمان ، فكأنّه قيل : تبوّأوا دار الهجرة ودار الإيمان . على أنّ المراد بالدّارين « المدينة » ، والعطف كما في قولك : رأيت الغيث واللّيث ، وأنت تريد زيدا ، ولا يخفى ما فيه من التّكلّف والتّعسّف .